عودة الوعي
هذه السطور ليست تاريخًا
إنما هي مشاهد ومشاعر
استرجعت من الذاكرة
ولا تستند إلي أي مرجع آخر
للفترة ما بين 23 يوليو سنة 1952
إلي يوم الاحد 23 يوليو سنة 1972
ذلك الصباح
•
ما من أحد في مصر لم يتحمس لهذا الجيش، الذي استطاع وحده أن يقف ضد ذلك
الملك ذلك الشخص المكروه من المجتمع، بأخلاقة القذرة وجسمة المترهل كأنه
الخنزير.
وكأن القدر أرد له النهاية فأعماه عن سلوك الطريق الذي
ينقذه. لقد كانت البوادر تنذر بالعاصفة، فواجهها هو بتأليف وزارة جديدة
واهية هزيلة، وجعل وزير الدفاع فيها زوج أخته "فوزية" الشاب الرقيق اسماعيل
شيرين. وحتي هذا الشاب فهم للتو أن الظروف أخطر والمسئولية أكبر من أن
يحملها مثله ومثل هذه الوزارة فما ان تقدم لحلف اليمين أمام الملك حتي جثا
علي ركبتيه، واستحلف بحق النسب والقرابة، ان يستمع منه لقولة الصدق وهي ان
يأتي بالرجل الوحيد الذي يستطيع أن يواجه الموقف وينقذ العرش: انه زعيم
الأغلبية " مصطفي النحاس باشا"..
وتردد الملك
• ولكن الملك تردد وربما كبر عليه أن يأتي بعدوه التقليدي ليخرجه من مأزقة.
•
بعد ظهر السبت 26 يوليو 1952، وقفنا في استراحة " الرست هاوس" وطلبت
فنجانا من القوة ، واذا صوت مذيع الراديو بالمكان، يعلن خبر مغادرة الملك
للبلاد بعد نزوله عن العرش. وكان شعور البلاد بالفرحة شعورا حقيقيًا لا
جدال فيه.
السادة الجدد
•
كان من رأي " اللواء محمد نجيب" ، كما سمعت ، ان الجيش لا يحكم ولا ينبغي
له، وأن عليه أن يترك حكم البلاد لأهلها بالطريقة الدستورية، وأن يعود
الجيش إلي ثكناته ويراقب سير الأمور عن كثب..
الضباط وبجماليون
• وقال لي يومئذ صديق من الصحفين اللامعين المتصلين بهؤلا الضباط اتصالا
وثيقا: أنهم يقولون أن الأمر يشبة مسرحيتك عن " بجماليون".. كانوا يقصدون
بذلك انهم هم الذين صنعو من محمد نجيب التمثال الذي يقدم للناس علي أنه رأس
الحركة والواقع أنهم هم الذين فكروا في القيام بحركتهم وخططوا لها وكتبوا
لها المنشورات باسم الضباط الأحرار" وحددوا موعد التنفيذ. ولكنهم استصغروا
أنفسهم علي مواجهة الناس وهم صغار السن والرتبة العسكرية. وخشوا أن لا يأخذ
الناس مأخذ الجد حركة يقوم بها جماعة من شباب الجيش المجهولين المغمورين.
كان لابد لهم من وجه كهل ، برتبة لواء علي الأقل، يضعونه في المقدمة
ويتقدمون خلفه. فاختاروا اللواء محمد نجيب ، واقاموه تمثالا فوق قاعدة
الحركة. ولكنه الآن قد استقر في أعين الناس، ونسي أنه مجرد تمثال ، وأخذ
يتصرف برأيه في مسقبل البلد السياسي، فتذكروا تمثال "بجماليون". ولكن هل
كان أحدهم قد قرأ حقا مسرحيتي، أوأن الذي يعرفونه أو سمعوا عنه هو مجرد
الاسم والعنوان؟ مهما يكن من أمر، فإن بجماليون في مسرحيتي قد حطم بعد ذلك
تمثاله، وهذا بالضبط ما فعلوه هم بتمثالهم...
ولكن السؤال هو : هل كان تدبيرهم من أول الأمر التخلص من محمد نجيب بعد الانتهاء من مهمته؟ ..... أو أن الحوادث اضطرتهم إلي ذلك؟
الخلافات السياسية
•هناك سؤال آخر: هل كان في تخطيط هؤلاء الضباط الاحرار أن يحكموا البلاد
بانفسهم أو ان الظروف في البلد ذلك دفعتهم إلي ذلك دفعًا ؟
• فمن الخلافات الحزبية ما لمست بنفسي مثلا من أمثلته ، وقد قامت الثورة
وكانت حوادثها المتلاحقة تدعوني إلي تتبعها، فكنت اتردد علي جريدة " أخبار
اليوم" كل ليلة لاستطلع ما يجري . وفي ذات ليلة وجدت هناك صديقي الصحفي
القديم المرحوم " توفيق دياب" صاحب جريدة " الجهاد" الوفدية. وما كدنا نجلس
حتي دخل علينا أحد أقطاب حزب الأحرار الدستورين المعارضين للوفد وهو
المرحوم " أحمد عبد الغفار باشا". وإذا الاثنان بتلاقيان بالقبلات والأحضان
ويتبادلان أرق العبارات بالود والترحاب. ثم أخذا يتحدثان في الأوضاع
الجديدة ومصير الدستور وضروة وقوف الأحزاب كلها صفا واحدا، ووضع حد
للخلافات ، ومد كل سياسي يده إلي الآخر لتتحد الكلمة ، حفاظا علي دستور
البلاد، فقال أحمد عبد الغفار : ومن يضمن لنا حسن نيتكم يا حزب الوفد؟ فرد
عليه توفيق دياب : إذا كان هناك غدر فأنتم أصحاب الغدر دائما يا حزب
الأقلية.. وكلمة من ذاك وكلمة من هذا فلم أشعر إلا بالأصوات وقد ارتفعت
بالسباب من الطرفين وصوت أحمد عبد الغفار الجهوري المجلجل يصيح: " من يضع
يده في أيديكم ياوفديين يا حزب الرعاع يا كلاب" فصرخ توفيق دياب وقال وهو
يجأر : " اخرس يا وغد أنت وحزبك الحقير يا صنائع الانجليز..." ولم يقف
الامر عند حد التراشق بالسب والشتم بل تعداه إلي الضرب واللكم.
وتضارب السياسيان
• لقد أيقنت تلك اللية أن لا شيء يمكن أن يقضي علي داء الحزبية والتعصب الحزبي في هذا البلد.
ثورة ضد الدستور
•
... ولكن سليمان حافظ وهو أيضا من أعداء الوفد القي في نفوسهم الخوف في
ذلك .. وقال لهم أن الانتخابات الحرة ستسفر حتما عن برلمان وفدي ومن أدراكم
أن هذا البرلمان سيؤيدكم . ثم أشار عليهم بأهمال الدستور ، وافتي لهم بأن
من حقهم إصدار القوانين دون برلمان ، لأنهم قاموا بثورة ، والثورة معناها
إلغاء ما قبلها من أوضاع ... وهكذا أطلق علي حركة 23 يولية اسم " الثورة"
بعد أن كان اسمها " الحركة" ولحبنا لها سميت " الحركة المباركة" . وقام بعض
أساتذة الجامعة يؤكدون وصف الثورة ويؤيدون حقها المطلق في إصدار
القوانين...
وأصبحت الحركة ثورة
• ولكن بعض فقهاء
القانون الدستوري ، قاموا من جهة أخري ينفون عن الحركة وصف الثورة، ويدللون
علي أن الوصف المنطبق علي هذه الحركة هو " الانقلاب العسكري" وذلك أن
الثورة يقوم بها الشعب ويقودها مدينيين...
مبادئ بلا أشخاص
• المبادئ ليست بذات قيمة في نظري بغير الاشخاص الذين يطبقونها بإخلاص، ويؤمنون بها ويحرصون عليها.
• ولقد كانت عندنا مبادئ ودساتير في أيدي أشخاص يتلاعبون بها لمنافعهم
وأغراضهم، وما كنا نحلم به وننتظره دائما هو ظهو الأشخاص المخلصين.
البعد عن الحكم
• كان عبد الناصر كما سمعت. يدهش لابتعادي عنه..
• ما يبعدني هو مبدئي المعروف الذي كتبت عنه كثيرًا : أن الحاكم لا يريد من
المفكر تفكيره الحر بل تفكيره الموالي. أنه يريد أن يسمع منه تأييدًا لا
اعتراضً ورسالة المفكر في جوهرها هي الصدق والحرية. وهو يخطئ ويخدع ويفقد
الوعي ولكنه لن يخون رسالته عن وعي. وأني أخشي دائما أن تحجب الصداقة
والقرابة والحب والعاطفة، وحتي الكره والسخط ، النظرة الصادقة إلي حقائق
الأشياء . ولقد حاولت علي قدر المستطاع في كتابي " سجن العمر" أن أصور أقرب
الناس إلي وهما الوالدان بما لهم وما عليهم تصويرًا خاليا من القداسة التي
اعتادها الناس في بلادنا، نحو أهلنا ، وتعرضت بذلك لغضب الأحياء من ذوي
القربي واستهجان المتحفظين من القراء.
.
.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق